فصل: الفصل الثاني في ذات اللقطة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة



.الباب الثاني: في حكمها:

وهي قسمان:

.القسم الأول: (الهبة المقيدة):

ما قيد بنفي الثواب، وحكمه أن يلزم بالقبول،ويستقر بالقبض كما تقدم.
ثم هذا القسم ضربان: ضرب يراد به المودة والمحبة. وضرب يراد به وجه الله تعالى من صلة الرحم والهبة للفقير واليتيم،ونحو ذلك.
فأما الضرب الأول،فلا رجوع فيه، إلا للوالد فيما وهبه لولده، وفي معناه الوالدة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن حازها الأب لم تعتصرها الأم، لأنها لا تعتصر ما ولايته إلى غيرها. وكذلك إن لم يكن له أب، ولم يكن في ولايتها.
قال أبو الحسن اللخمي: وإنما نوى ذلك لها إذا لم تخرج العطية عن يدها والولد في ولايتها،ولا يلحق بهما الجد ولا الجدة.وروى أشهب: أنهما في معناهما.
وقال به ابن عبد الحكم.
وأما الضرب الثاني، فلا اعتصار فيه، ولا رجوع لأب ولا أم ولا غيرهما، وكون الولد صغيرًا عديم الأب في حال الهبة يمنع الأم من الاعتصار ولو بعد البلوغ. قال القاضي أبو الوليد: هذا قول جل أصحاب مالك. قال: وروى محمد عن أشهب: إلا أن يكون موسرًا، فلها أن تعتصر منه كما تعتصر من الكبير.
ولو كان الأب موجودًا يوم العطية، فلم تعتصر الأم حتى مات الأب، كان لها أن تعتصر، لأنها لم تكن عل وجه الصدقة.وفي كتاب محمد: لا تعتصر إذا مات الأب قبل بلوغ الولد. قال أبو الحسن اللخمي: والأول أحسن، لأن المراعي وقت العطية، هل كانت هبة أو صدقة؟.
فروع متتالية: في الرجوع.
ومهما تلف الموهوب أو زال ملك المتهب، أو تزوجت البنت، أو أدان الابن لأجل الهبة، أو مرض أحدهما، فات الرجوع. وروى أشهب في كتاب محمد: أن للأب أن يعتصر وإن كان مريضًا.
وقال أيضًا: لا يعتصر لأنه حينئذ يعتصر لغيره، وإن كان الابن هو المريض فلا أدري.
ولو وهب له وهو على حال من هذه الحالات، فقال ابن الماجشون: لا يعتصر كما لو تقدمت العطية على هذه الحوادث.
وقال أصبغ: إذا كانت الحال واحدة، كالحال يوم العطية فله الاعتصار. وحيث منعنا الرجوع للدين، فلو قضاه لم يعد له حق الرجوع. وهل يعتبر كونه كثيرًا يداين لمثله، قال ابن الماجشون: لا يعتبر ذلك. وروى مطرف اعتباره.
وقاله ابن القاسم في العتبية.
وإذا منعنا الرجوع للمرض، فزال المرض، عاد حق الرجوع عند ابن القاسم.
وقال أصبغ: ما زال به الاعتصار من مرض أو غيره يومًا واحدًا فلا يعود بزواله.
وقال ابن الماجشون: من قول مالك جملة، إن العصرة إذا امتنعت ساعة لم ترجع.
وقال المغيرة وابن دينار: إذا صح المعطي أو المعطي رجعت العصرة، كما تنطلق يده من ماله فيما كان ممنوعًا منه.
وتغير الهبة في قيمتها بتغير الأسواق لا يمنع من الرجوع فيها. ولو زادت في عينها أو نقصت منع ذلك من الرجوع فيها.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع ذلك من اعتصارها.
ولو ولدت الأمة كان له أن يرتجعها دون الولد.
قال أبو الحسن اللخمي: إلا أن يعتصره بفور الولادة. ووطء الابن الجارية الموهوبة له من أبيه يفيتها عن الاسترجاع وإن كانت ثيبًا ولم تحمل. والقول قوله في وطئها إذا غاب عليها.
وقال المغيرة: لا يمنع الوطء الاعتصار. وبه قال ابن الماجشون.
وقال: توقف تستبرأ، فإن حملت بطل الاعتصار.
فرع:
قال ابن القاسم: من تصدق بصدقة، لم ينبغ له أن يرتجعها بعوض أو بغير عوض، وإن كانت نخلاً فلا يأكل من تمرها، أو دابة فلا يركبها، إلا أن ترجع إليه بميراث وذلك للنهي عن ارتجاعها، ولأنه ضرب من الرجوع فيها، لأن المعطي يستحيي منه، فيحط عنه من ثمنها ما لا يحط لغيره، فيكون رجوعًا عن ذلك القدر.

.القسم الثاني: الهبة المطلقة:

وهي على ما اتفقا عليه من اقتضاء الثواب أو عدمه، فإن اختلفا في مقتضاها نظر إلى شواهد الحال، فإن كانت بين غني وفقير، فالقول قول الفقير مع يمينه لشهادة العرف له، وكذلك الحكم حيث شهد لأحدهما، فإن استوت نسبتهما إليه,، فالقول قول الواهب مع يمينه.
فرعان:
الفرع الأول: في نوع الثواب وقدره.
أما نوعه الذي يلزم قبوله باتفاق فالدنانير والدراهم، ورأى أشهب انحصاره فيهما، إلا أن يتراضيا على غيرهما لأنهما أصول الأثمان وقيم المتلفات عند التشاح.
وروى سحنون أن كل ما يتمول يصح أن يكون ثوابًا، ويلزم الواهب قبوله إذا كان فيه وفاء بقيمة هبته، لأن الغرض الثمن. ووافقه ابن لقاسم في عدم الاقتصار على العين، إلا أنه استثنى منها الحطب والتبن وشبههما مما لا يثاب في العادة بمثله.
وأما قدر الثواب فمبلغ قيمة الموهوب. ولا يلزم الواهب قبول دونها، ولا الموهوب له بذل زائد عليها.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف من قوله وروايته، أن للواهب أن يأبى وإن أثابه أكثر من قيمة الهبة إذا كانت العين الموهوبة قائمة.
قال مطرف: لأنه لو أراد قيمتها لباعها في السوق ولم يتعرض بها أحدًا، وإنما أهداها رجاء الفضل وعظم المثوبة.
وقال ابن الماجشون: إذا أثابه القيمة لزمه ذلك على ما أحب أو كره، وإن لم تفت الهبة كالأول، وهو المشهور. ثم إذا أثابت فليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبضه الواهب.
الفرع الثاني:
في التصريح بشرط الثواب. وإذا صرح به وكان معلومًا، فهو بيع، وتثبت فيه أحكامه. فإن كان لعوض غير معلوم مع التصريح باشتراطه، فصححه ابن القاسم، ومنعه ابن الماجشون في رواية ابن حبيب عنه، وأخذ به سحنون، وعلل بأنه يصير بيعًا فاسدًا للجهل، بثمنه، إذ هو كبيع سلعة بقيمتها.

.كتاب اللقطة:

وفيه فصول:

.الفصل الأول: في الالتقاط:

هو عبارة عن أخذ مال ضائع ليعرفه الملتقط سنة، ثم يتصدق به أو يتملكه إن لم يظهر مالكه، بشرط الضمان إذا ظهر المالك. وليس بواجب إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين والإمام غير عدل،لكن إن وثق بأمانة نفسه فالأخذ مستحب له.
وروي تخصيص الاستحباب بما له بال، فإن علم الخيانة من ننفسه خذ محرم عليه، وإن خافها كره له الأخذ.
وروى ابن القاسم: كراهية التقاطها، إلا أن يكون لها قدر. وروى أشهب: أما الدنانير وشيء له بال، فأحب إلى أن يأخذه، وليس كالدرهم وما لا بال له، ولا أحب أن يأخذ الدرهم.
وحكى القاضي أبو بكر عن مالك الكراهة مطلقًا،وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق.

.الفصل الثاني في ذات اللقطة:

وهي عبارة عن مال لمعصوم معرض للضياع،كان في عامر البلاد أو غامرها، وذلك جار فيكل جماد وحيوان صغير. ويدخل فيه الغنم على تفصيل يأتي بيانه.
وأما ما كان أكبر من الغنم. فمنه الإبل، وحكمها أنها إن وجدت في الصحراء لم تلتقط لورود الخبر. ومنه البقر، وقد رأى مالك إلحاقها بالغنم في ضعفها عن الامتناع عند انفرادها. ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بمكان لا يخاف عليه فيه من السباع. ومنه الخيل والبغال والحمير.وظاهر قول ابن القاسم أنها تلتقط.
وقال أشهب وابن كنانة: لا تلتقط، وإلحاقها بالإبل إذا أمن عليها من الجوع والعطش والسباع والناس. وإن وجدت في العمران وخيف امتداد أيدي الناس إليها كان أخذها ورفعها إلى الإمام ينظر فيها أفضل له وآمن عليها. ومن وجد كلبًا التقطه إن كان بمكان يخاف عليه. وما وجد من المتاع بساحل البحر فهو لربه ولا شيء عليه لمن وجده.
وقال مالك في الكتاب فيمن وجد متاعًا بفلاة، فحمله إلى بلد،فأتى ربه، فله أخذه بعد دفع كراء حمله.
وفي الزاهي للشيخ أبي إسحاق: ومن هلكت راحلته بفلاة، فألقى متاعه فاحتمله محتمل إلى نفسه أخذه ربه،وغرم أجرة الحمل. وفيه إذا طرحت الأمتعة خوف الغرق فأخذها آخذ فوق الماء، نضب الماء عنها مكان ذلك، فهي لأربابها. وفيه: وفي الخشبة يطرحها البحر قولان.
أحدهما: إن تركها أفضل.
والآخر: إن واجدها يأخذها، فمتى جاء ربها غرم له قيمتها. وفيه إذا وقعت السمكة في سفينة فيها جماعة، فهي للذي سقطت إليه، كان رب السفينة أو غيره.

.الفصل الثالث: في أحكام اللقطة:

وهي أربعة:

.الحكم الأول: حكم الضمان:

وهي أمانة في يد من قصد بأخذها أن يحفظها لمالكها ما دام على ذلك القصد. ومغصوبة مضمونة في يد من أخذها بقصد الاختزال.
وأما من أخذها ليعرفها سنة ثم يتصدق بها أو يتملكهأ، فهي في يده أمانة في السنة، فإذا انقضت السنة فتصدق بها، فهي مضمونة عليه، إلا أن يختار ربها إمضاء الصدقة على نفسه. وإن أبقاها بعد السنة على التعريف، فهي باقية على الأمانة. ولو أخذها بنية الحفظ ثم ردها ضمنها إن تلفت، ولو ادعى ربها أن الملتقط أخذها ليتمولها لا ليعرفها وادعى الملتقط قصد التعريف، كان القول قوله.

.الحكم الثاني: التعريف.

وهو واجب سنة عقيب الالتقاط فيما له بال، ينشدها في المواضع التي يجتمع الناس إليها. ودبر الصلوات على أبواب المساجد والجامع، وحيث يظن أن ربها هناك أو خبره، يعرفها كل يومين أو ثلاثة،ولكما تفرغ، لا يجب عليه أن يدع التصرف في حوائجه ويعرفها، وفي ذكر الجنس في التعريف خلاف. ثم له أن يعرفها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام يعرفها إذا كان عدلاً أو يدفعها لمن يثق به ممن يقوم مقامه فيها يعرفها أو يستأجر عليها من يعرفها، ثم الأجرة في التعريف منها إن كان ممن لا يعرف مثله. ولا يجوز له أن يسافر بها إلى بلد آخر ليعرفها به. ولو وجدها في صحراء بين مدينتين لعرفها بينهما.
ثم وجوب التعريف سنة بتخصيص بالمال الكثير الذي لا يفسد، فأما القليل الذي لا يفسد، فإن كان من القلة بحيث يعد تافهًا لا قدر له،ويعلم أن صاحبه في العادة لا يتبعه لقلته فلا يعرف أصلاً.
وإن كان على قلته له قدر ومنفعة، وقد يشح به صاحبه ويتبعه، فهذا يعرف، لكن اختلف في حده، فقيل: سنة كالذي له بال،وهو ظاهر رواية ابن القاسم في الكتاب. وفي العتبية من رواية عيسى عن ابن وهب: أنه يعرفه أيامًا، وهو قول ابن القاسم من رأيه في الكتاب.
ولا تتحدد عدة الأيام بعدد معين، بل بحسب ما يظن أن مثله يطلب فيها، وهذا كالمخلاة والحبل والدلو. ومن سماع أشهب: إذا وجد العصا والسوط إن أخذهما عرفهما، وإن لم يعرفهما فأرجو أن يكون خفيفًا.
وأما ما يفسد وإن كان كثيرًا كالطعام وشبهه، فقد قال عليه السلام: من التقط طعامًا فليأكله. وفي معناه الشاة الملتقطة بالبعد عن العمران حيث يعسر جلبها،ويخشى عليها إن تركها، فإنها طعام ويحتاج إلى العلف، ولقوله صلى الله عليه وسلم: هي لك أو لأخيك أو للذئب.
فأما الجحش وصغار الحيوانات التي لا تؤكل، فينبغي أن تؤخذ خشية هلاكها. ولا شيء عليه في أكل الطعام بالفلاة، إلا أن يكون في رفقه وجماعة، فيكون له حكم الحاضرة.
وإن وجد بقرية فقال ابن حبيب في الواضحة: إن تصدق به فلا غرم عليه لصاحبه، لأنه يؤول إلى فساد. وأن أكله غرمه لانتفاعه به.
وظاهر قول أشهب أنه يغرمه لصاحبه تصدق به أو أكله.وظاهر ما في الكتاب أنه لا ضمان عليه فيه، أكله أو تصدق به.
فروع: في أحكام غلات اللقطة ومنافعها في مدة التعريف، قال ابن حبيب: ذكرت امرأة لعائشة رضي الله عنها أنها وجدت شاة، فقالت لها: عرفي واعلفي واحلبي واشربي.
قال سحنون، فيمن وجد شاة اختلطت بغنمه: فهي كاللقطة يتصدق بها، ثم إن جاء ربها ضمنها له، قال: ولد شرب لبنها، وهذا خفيف.
وقال ابن نافع: قال مالك في الرجل يكون في غنمه وباديته فيجد شاة بفلاة من الأرض، فأرى أن حبسها مع غنمه لا يأكلها سنة أو أكثر منها، وله حلابها لا يتبع به إن جاء ربها إلا بها وبنسلها، فإن ذبحها قبل السنة ضمنها لربها، وإلا أن يخاف موتها فيذكيها، فلا شيء عليه إلا أن يقدر على بيع لحمها.
وقال مطرف في ضالة البقرة والغنم: الصدقة بثمنها أحب إلي من الصدقة بها، والاستيناء بالثمن أحب إلي من الاستيناء بها وليس بواجب، ونسلها مثلها.
وأما اللبن والزبد فأما بموضع لذلك ثمن فليبع ويصنع بثمنه ما يصنع بثمنها، وإن كان له بها قيام وعلوفة، فله أن يأكل منه بقدر ذلك، وأما بموضع لا ثمن له فليأكله.
ولا بأس أن تكري البقر في علوفتها كراء مأمونًا من العطب. وأما الصوف والسمن فليتصدق به، أو بثمنه. قال ابن حبيب: وضالة الدواب له أن يركبها من موضع وجدها إلى موضعه، فأما في حوائجه فلا، فإن فعل ضمنها. وله كراؤها في علفها كراء مأمونًا لا يجر إلى عطب. ما بينه وبين أن يبيعها ويتصدق بثمنها، أو يأتي صاحبها وليس لقدر حسبه إياها، هي والمواشي حد إلا على اجتهاده وصبره.
وقال أشهب: إذا أنفق الملتقط على الدواب والإبل والبقر، فربها مخير بين غرم النفقة وأخذها أو إسلامها فيها، فإن، أسلمها فيها ثم بدا له أن يطلبها ويؤدي النفقة فليس له ذلك.

.الحكم الثالث: في التملك:

وهو جائز بعد انقضاء التعريف ومدته، والأحسن له بعد انقضاء ذلك أن يبقيها أو يتصدق، بها فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها.
قال القاضي أبو الوليد: هذا عندي حكم لقطة كل بلد سوى مكة، فأما مكة فلا تتملك لقطتها لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل لقطتها إلا لمنشد» معناها على الدوام، وإلا لم تظهر فائدة للتخصيص.
وهذا قاله رضي الله عنه هو اختيار القاضي أبي بكر والداودي، والمذهب أنها كغيرها، ومستنده العمومات الواردة في اللقطة.
فأما ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: إن لقطتها لا تحل إلا لمنشد ومن قوله صلى الله عليه وسلم: لا تحل لقطة الحاج فمحمول على أنها لا تحل لمن يريد أن يتملكها دون تعريف، بل لا تؤخذ إلا لصاحبها أي لتعرف له.
وسبب تنبيه الشارع: على هذا الحكم وتخصيصه بلفظ مكة، وهو عام فيها وفي غيرها، هو أن اللقطة توجد كثيرًا في الحرم لاجتماع الناس فيه من كل فج، وأنه موضع نسك، وأن الغالب منه أن الحاج لا يعود لطلب اللقطة، إن كان من أهل الآفاق، فيصير الآخذ لها آخذاً لنفسه لا محالة، فخص النبي صلى الله عليه وسلم الحرم لهذا المعنى، وغلظ فيه.
ونحن كذلك نقول: سبيل من وجد لقطة في الحرم وليس هو من أهله أن يدفعها للحاكم أو لثة في الموضع، فإن لم يفعل وخاف أن تكون لمن هو من أهل الآفاق، فأخذها على شرط اللقطة، جاز ذلك.

.الحكم الرابع: وجوب الرد.

والنظر في ظهور المالك وفي قيام اللقطة وفواتها.
أما الأول فيعرف بقيام البينة أو بالإخبار بالوصف، فإذا أقام البينة أنها له، أو أخبر بعفاصها، وهو ما تشد فيه، ووكائها وهو ما تشد به، وجب الردد له. ويقوم الوصف مقام البينة لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن جاءك أحد يخبر بوكائها وعفاصها وإلا فاستنفقها». أخرجه البخاري.
وفي اعتبار معرفة العدد إن كانت دنانير أو دراهم خلاف، اعتبره ابن القاسم ولم يعتبره أصبغ.
وسبب الخلاف: ذكره في حديث أبي والإضراب عنه في حديث زيد بن خالد، ولا يلزمه يمين مع الصفة.
وقال أشهب: تلزمه اليمين معها.
واختلف في وقوع ردها على إتيان ناشدها بهذه الصفات التي عددناها بجملتها، أو يجتزأ ببعضها:
فقال محمد بن عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العشر لم يعطها إلا في معنى واحد، وهو أن يصف عددًا فيصاب أقل.
وقال أشهب: إن عرف منها وصفين ولم يعرف الثلاث دفعت إليه.
وقال أصبغ: إن عرف العفاص وحده فليستبرأ، فإنه جاء أحد وإلا أعطيها.
ولو عرف رجل عفاصها أو وكاءها وحده، وعرف آخر عدد الدنانير ووزنها كانت لمن عرف العفاص أو الوكاء، قاله أصبغ في العتبية، وزاد ابن حبيب عنه أنه قال: ولقد استحسن أن تقسم بينهما، كما لو اجتمعنا على معرفة العفاص والوكاء، ويتحالفان، فإن نكل أحدهما دفعت إلى الحالف.
قال القاضي أبو الوليد: وهذا جنوح منه إلى إلحاق معرفة العدد بمعرفة العفاص والوكاء..
وإن وصفها رجلان تحالفا ثم قسمت بينهما إن حلفا، فإن نكل أحدهما انفرد بها الحالف عن النكال.
ولو دفعت إلى من انفرد بوصفها، ثم ظهر واصف آخر لم يكن له شيء إلا أن يأتي بينة فيكون حينئذ أحق بها، إلا أن يأتي الأول، أيضًا، ببينة، وتتكافأ البينتان ولم تؤرخا، فيقضى بها لأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا وبقيت للأول بالصفة. ولو اختار لكاتب لأولهما تاريخًا.
قال ابن القاسم: وإذا وصفها الثاني وأقام بها بينة فلا شيء له على الملتقط، دفعها بقضية أو بغير قضية، لأنه فعل ما يجوز له.
وقال ابن الماجشون: يضمن إذا قال: دفعتها لم وصفها ولا أعرفه، ولم يشهد لتفريطه.
وأما النظر الثاني: في قيامها وفواتها. فإن وجدها قائمة أخذها، كانت بيد الملتقط في نوى تملكها أو ينو، أو كانت بيد المساكين المتصدق بها عليهم، كانت الصدقة بها عن نفسه أو عن ربها. وكذلك إن وجدها قائمة بيد المبتاع من المساكين.
وإن وجدها المبتاع من الملتقط، فقال ابن القاسم: إذا باعها بعد انقضاء التعريف ومدته، فلا رجوع لربها فيها، وإنما يأخذ الثمن لا غير. قال: وسواء باعها بأمر السلطان أو بغير أمره.
وقال أشهب: إن باعها بغير أمر السلطان فلربها نقض البيع وأخذها. قال: وإن وجدها بيد المساكين ناقصة وقد تصدق بها عن ربها، فله الخيار في أخذها أو أخذ قيمتها من الملتقط يوم تصدق بها. ثم إن أخذها فلا شيء له عليه، وإن أخذ قيمتها أخذها الملتقط من المساكين ولا شيء له عليهم لنقصها. قال: وإن كان تصدق بها عن نفسه، فربها بالخيار بين أن يأخذها على نقصها ولا شيء له على الملتقط، وبين أن يأخذها بقيمتها ثم لا شيء لملتقطها على المساكين. قال: وإن لم تفت عندهم بشيء فليس له سواها.
وإن وجدها المالك فائتة العين، فإن كان الملتقط أكلها أو أتلفها غرم للمالك قيمتها يوم أتلفها، وإن كان تصدق بها فأكلها المساكين. فكذلك أيضًا عند ابن القاسم تصدق بها عن المال أو عن نفسه.
وقال أشهب: إذا تصدق بها عن نفسه، فأكلها المساكين، فلربها تضمينهم مثلاً أو قيمة.
وإن تلفت بعد بيع الملتقط لها، فإن كان بيعه لها قبل تمام التعريف فعليه قيمتها في ذمته إن كان حرًا، وإن كان عبدًا ففيه رقبته كالجناية.
وإن كان البيع بعد انقضاء التعريف ومدته، فليس عليه سوى الثمن في ذمته حرًا كان أو عبدًا، كان ذلك بأمر سلطان أو بغيره أمره.
وقال أشهب في بيع الدواب بغير أمر السلطان: إن باعها الملتقط خوفًا من الضيعة عليها، فليس لربها إلا الثمن. قال: وأما إن باع الثياب وما لا مؤونة في بقائه فربه أحق به إن وجده بيد المبتاع، فإن لم يجده فله الخيار في أخذ الملتقط بالثمن أو بالقيمة يوم بيعه إذ لم يبعه بأمر سلطان ولا بضرورة إلى ذلك.

.كتاب اللقيط:

وفيه بابان:

.الباب الأول: في الالتقاط وحكمه:

وهو عبارة عن كل صبي ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفايات. فمن وجده وخاف عليه الهلاك إن تركه لزمه أخذه ولم يحل له تركه. ومن أخذه بنية أنه يربيه لم يحل له رده، قاله أشهب. قال: وأما إن أخذه ليرفعه إلى السلطان فلم يقبله منه فلا شيء عليه في رده إلى موضع أخذه.
قال القاضي أبو الوليد: ومعنى ذلك عندي أن يكون موضعًا لا يخاف عليه فيه الهلاك لكثرة الناس فيه، ويوقن أنه سيسارع الناس إلى أخذه. ومن أخذ لقيطًا فليشهد عليه خوف الاسترقاق.
وولاية اللقيط لجماعة المسلمين، لا يختص بها الملتقط إلا بتخصيص الإمام. وليس للعبد ولا للمكاتب الالتقاط بغير إذن السيد، فإن فعلاً لم يكن لهما ذلك، إذ الحضانة تبرع، وليسا من أهله. ولو التقط الذمي نزع اللقيط منه لئلا ينصره، أو يدرس أمره فيسترقه. قاله مطرف وأصبغ. وسئل سحنون عن نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها فقال: إن ثبت أنها لقطة فترد إلى الإسلام، وهي حرة.
ولو ازدحم اثنان كل واحد منهما أهل، قدم من سبق، فإن استويا قدم الإمام من هو أصلح للصبي، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما.
ثم من التقط لزمته الحضانة ولم تلزمه النفقة من ماله إن وجد ما ينفق على الصبي، فإن عجز عن الحضانة سلم اللقيط للقاضي، فإن تبرم مع القدرة لم يكن له تركه إذا كان أخذه ليحضنه كما تقدم.
وأما نفقة اللقيط ففي ماله، وهو ما وقف على اللقطاء أو وهب لهم أو أوصى لهم به، أو ما وجد تحت يد اللقيط عند التقاطه بكونه ملفوفاً عليه أو مشكوكًا على ثوبه، أو موضوعًا عليه، أو كان هو عليه من فراش أو ثوب، أو دابة، أو كان معه كيس مال مشدود أو قوم على مال موضوع ونحو ذلك.
وأما ما هو مدفون في الأرض تحته فيس هو له، إلا أن يوجد معه رقعة مكتوبة بأنه له، فيكون حينئذ له.
ولو كان بالقرب منه مال موضوع أو دابة مشدودة، فذلك لقطة وضالة. فإن عدمت هذه الجهات كلها في حقه ولم يكن له مال، فإن تبرع أحد بالإنفاق عليه، وإلا أنفق عليه الإمام من بيت المال. فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال فروى في كتاب محمد: من التقط لقيطًا فعليه نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه، وذلك أنه أخذه ملتقطًا له فقد لزمه أمره وحفظه.
ثم حيت لم يكن للقيط مال، فمن أنفق عليه حينئذ فلا رجوع له عليه إلا أن يأتي رجل فيقيم البينة أنه ابنه فيتبعه بنفقة إن كان طرحه متعمدًا، إلا أن يكون قد أنفق عليه حسبة فلا رجوع له عليه بحال.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بحاله، لا، المنفق محتسب.
وقال سحنون: إن أنفق ليتبعه، فطرأ له أب تعمد طرحه أتبعه، وإن أنفق حسبة لم يرجع. وكذلك لو ضل صبي من أبيه، فأنفق عليه إنسان، فلا يتبع أباه بشيء، إذ هو من باب الاحتساب.
وحيث أشكل الأمر ولم تظهر علامة تدل على الحسبة أو التبرع، فالقول قول المنفق مع يمينه في أن ما أنفق إلا ليرجع.

.الباب الثاني: في أحكام اللقيط:

وهي أربعة:

.الحكم الأول: إسلامه.

والإسلام يحصل استقلالاً بمباشرة البالغ، وبمباشرة المميز أيضًا في ظاهر المذهب ظاهرًا وباطنًا. ويجبر عليه إن رجع عنه، حتى أنه إن بلغ وأقام على رجوعه كان مرتدًا يقتل.
فأما إذا ارتد صغيرًا فتصح ردته عند ابن القاسم، ولا تؤكل ذبيحته ولا يصلي عليه.
وقال سحنون: لا تصح ردته، وتؤكل ذبيحته، ويصلى عليه والاتفاق على أنه لا يقتل بردته صبيًا. وروي أنه لا يصير مسلمًا إلا بعد البلوغ.
وأما الصبي الذي لم يميز والمجنون، فلا يتصور إسلامها إلا تابعًا. وللتبعية ثلاث جهات:
الجهة الأولى: إسلام الأب، فيتبعه ولده، ولا يتبع أمه.
وقال ابن وهب: يتبع من أسلم من أبويه. وحيث حكمنا بالتبعية فبلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو مرتد.
الجهة الثانية: تبعية السابي المسلم، فمتى استرق طفلاً دون أبيه حكم بإسلامه، وإن استرقه ذمي. لم يحكم بإسلامه. ثم حكم هذا الصبي المسترق حكم من قضي بإسلامه تبعًا لأبيه إذا بلغ.
الجهة الثالثة: تبعية الدار، وهي المقصود، فكل لقيط وجد في قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة وموضعهم فهو مشرك.
وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم.
ولو وجد في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين فهو مشرك، ولا يعرض له إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه.
وقال أشهب: حكمه في هذه، أيضًا، الإسلام، التقطه مسلم أو ذمي، لاحتمال أن يكون لمن فيها من المسلمين، كما أجعله حرًا، وإن كنت لم أعلم أحر هو أم عبد، لاحتمال الحرية، لأن الشرع رجح جانبها.

.الحكم الثاني: نسب اللقيط.

وإن استلحقه الملتقط أو غيره، فلا يلحق إلا ببينة، أو يكون لدعواه وجه، كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه رماه لأنه سمع: إذا طرح عاش. ونحو ذلك مما يدل على صدقه. وقيل: لا تثبت فيه دعوى إلا ببينة.
وقال أشهب: يلحق بمجرد الدعوى. وإن لم يكن هذا ادعاه ملتقطه أو غيره، إلا أن يتبين كذبه. قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الاختيار، قال: وربما طرح الناس أولادهم من الإملاق وغيره.
وإذا استلحق الذمي لقيطًا وأقام بينة على تصديقه لحق به وكان على دينه، إلا أن يسلم قبل ذلك ويعقل الإسلام، فيكون مسلمًا.
وإن استلحقت اللقيط امرأة ادعت أنه ولدها، فقال ابن القاسم: لا يقبل منها، وإن جاءت بما يشبه من العذر.
وقال أشهب: يقبل قولها وإن قالت: من زنى، حتى يعلم كذبها.
وقال محمد: تصدق في الزنى وتحد، وأما من زوج لها فلا، إلا أن يدعيه فيلحق به.

.الحكم الثالث: حريته ورقه.

وهو على الحرية، لا يقبل فيه دعوى الرق من أحد إلا ببينة. قال مالك: ولا يقبل إقراره هو على نفسه بالرق، وليس له أن يرق نفسه. قال الشيخ أبو عمرو: لم يختلف في ذلك أصحاب مالك.

.الحكم الرابع: (جنايته):

جنايته وأرش خطئه على بيت المال.
وإن جنى عليه فالأرش له.

.كتاب الأقضية:

وفيه ثلاثة أبواب:

.الباب الأول: في التولية والعزل:

وفيه فصلان:

.الفصل الأول: في التولية:

وفيه مسائل:

.المسألة الأولى: (حكم القيام بالقضاء والإمامة):

إن القيام بالقضاء والإمامة فرض على الكفاية لما فيه من مصالح العباد، من فصل الخصومات، ورفع التهارج، وإقامة الحدود، وكف الظالم، ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، قال الله تعالى {فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة».
ولكن خطره عظيم، لأن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله عز وجل: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعتى الناس على الله، وأبغض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمة محمد شيئا ثم لم يعدل فيهم».
فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلى بعظيم، لأنه عرض نفسه للهلاك، إذ التخلص منه على من ابتلى به عسير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين». وفي رواية ابن أبي ذؤيب: «فقد ذبح بسكين». فلا ينبغي أن يقدم عليه إلا من وثق نفسه وتعين له، أو أجبره الإمام العدل عليه. وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحًا، وله هو أن يمتنع ويهرب بنفسه عنه، إلا أن يعلم تعينه له فيجب عليه القبول، وذلك إذا تحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه، فلا يجوز له الامتناع حينئذ لتعين الفرض عليه. ولا يأخذه بطلب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا، والله، لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه». ولا يولي وإن اجتمعت فيه شرائط التولية خشية أن يوكل إلى نفسه فيعجز، كما تضمنه الحديث: «إن من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عزل وجل ملكًا يسدده» أخرجه أبو عيسى واستحسنه.

.المسألة الثانية: في صفات القاضي:

وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يشترط في صحة التولية، ويقتضي عدمه الانفساخ وهي: أن يكون ذكرًا، حرًا، عاقلاً، بالغًا، مسلمًا، عدلاً، عالمًا، من أهل الاجتهاد والنظر، متوحدًا.
فعدم شيء من هذه الصفات يمنع صحة العقد ابتداء، ويفسخ وينفسخ العقد بحدوثه، فلا تصح تولية المرأة والعبد وغير العاقل، والصبي، والكافر، والفاسق، والجاهل، ولا المقلد إلا عند الضرورة.
قال القاضي أبو بكر: فيقضي حينئذ بفتوى مقلدة بنص النازلة قال: فإن قاس على قوله، أو قال: يجيئ من هذا كذا، فهو متعد. قال: ولا تحل تولية مقلد في موضع يوجد فيه عالم، فإن تقلد فهو جائر متعد، لأنه قعد في مقعد غيره، وليس خلعه سواه من غير استحقق. ولا تصح تولية حاكمين معا في كل قضية. ولا تصح تولية الفاسق كما تقدم.
وقال أصبغ: تصح توليته ويجب عزله، فالحق وصف العدالة بالقسم الثاني. وجوز الشيخ أبو الوليد تولية غير العالم، ورأى كونه موصوفًا بالعلم مستحبًا لا شرطًا في الصحة ولا في الإبقاء.
القسم الثاني: ما يقتضي عدمه الفسخ وإن لم يشترط في الصحة، وذلك كاشتراط كونه سميعًا بصيرًا متكلمًا، فعدم بعض هذه، يقتضي أن يفسخ العقد سواء تقدمت أضدادها عليه أو طرأت بعده، وينفذ ما مضى من أحكامه إلى حين العزل وإن كانت موجودة حين الحكم.
القسم الثالث: ما لا يشترط في الانعقاد ولا في الإبقاء، ولكنه يُسْتحبُّ في القاضي. قال الشيخ أبو الوليد: مثل أن يكون ورعًا، غنيًا ليس بمديان ولا بمحتاج. من أهل البلد، معروف النسب، ليس بولد زنى، ولا بابن لعان، جزلاً نافذاً فطنًا غير مخدوع لغفلة، ليس محدودًا في زنى ولا قذف، ولا مقطوعًا في سرقة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفًا بالأئمة يدير الحق على من دار عليه، ولا يبالي من لامه على ذلك، حليمًا عن الخصوم، مستشيرًا لأولي العلم.
وقال أبو القاسم بن محرز: ليس يتأتى له القيام بما نصب له حتى يكون ذا نزاهة ونصيحة ورحمة وصلابة. ليفارق بالنزاهة من يطمع ويتشوف لما في أيدي الناس، وبالنصيحة من يريد الظلم ولا يبالي بإيقاع الغش في الخطأ والغلط، وبالرحمة حال من يقسو قلبه فلا يرحم اليتيم والصغير، ولا ينهض بنصر المظلوم، وبالصلابة حال من يضعف عن استخراج الحقوق، وعلى الإقدام على ذوي السلطنة والقهر والظلم.
وقال القاضي أبو محمد: ينبغي أن يكون فطنًا متيقظًا، كثير التحرز من الحيل، وما يتم مثله على المغفل والناقص أو التهاون، وأن يكون عالمًا بالشروط عارفًا بما لابد منه من العربية واختلاف معاني العبارات، فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوى والأقدار والشهادات، ولأن كتاب الشروط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه، والشهادة تسمع فيه، فقد يكون العقد واقعًا على وجه يصح أول لا يصح، فيجب أن يكون له علم بتفصيل ذلك ويجمله. قال: وينبغي أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ليستعين بهم على ما هو بسبيله، ويقوي بهم على التوصل إلى ما ينوبه، ويخففون عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة من النظر في الوصايا والأحباس والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه.
وقال الأستاذ أبو بكر: وليس يكتفي بالعقل الذي يشترط في التكليف وهو استدلاله بالشاهد على الغائب وعلم بالمدركات الضرورية، بل لابد أن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدًا من السهو والغفلة، حتى يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل، وفصل ما أعضل. قال: وليس يستحسن، أيضًا، الزيادة في هذا الباب حتى يفضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر والخبث الخدع، فإن هذا مذموم، محذر منه، غير مأمون إليه، والناس منه في حذر، وهو من نفسه في تعب. وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعزل زياد بن أبيه وقال له: كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك، وكان من الدهاة.
فرع:
قال المتأخرون. ليس لأصحابنا في تولية الأمي الذي لا يكتب وإن كان عالمًا عدلاً، نص. وحكوا عن أصحاب الشافعي وجهين الجواز والمنع. ثم اختار القاضي أبو الوليد الجواز.
وقال الشيخ أبو الوليد: الأظهر عندي الجواز، وذكر تعليله، ثم قال: وإن للمنع من ذلك لوجهًا، لما فيه من تضييق وجوه الحكم.

.المسألة الثالثة: في استخلاف القاضي:

وإذا نهى عن الاستخلاف لم يكن له أن يستخلف، وإن أذن له فيه استخلف على مقتضى الإذن، فإن تجرد عقد التولية عن النهي والإذن جميعًا فقال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ: ليس لقاضي الخليفة استخلاف قاض مكانه إذا كان حاضرًا يحكم ولا إن عاقه ما يعوق من الشغل، فأما إن سافر قال في كتاب ابن حبيب: إن مرض فله أن يجعل في مكانه من يقوم مقامه وينفذ أموره، ولا يكون متعديًا من استقضاه.
وقال سحنون: لا يستخلف وإن سافر أو مرض إلا بإذن الخليفة.
ثم تشترط في الخليفة صفات القضاة، إلا إذا لم يفوض إليه إلا سماع الشهادة والنقل فلا يشترط من العلم إلا معرفة ذلك القدر، وليس له أن يشترط على النائب الحكم بخلاف اجتهاده أو بخلاف معتقده إذا جوزنا تولية المقلد عند الضرورة.
قال الأستاذ أبو بكر: وللإمام إذا اعتقد مذهبًا من المذاهب مثل مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أن يولي القضاء من يعتقد خلاف مذهبه، لأن لواجب على القاضي أن يجتهد رأيه في قضائه، ولا يلزم أحدًا من المسلمين أن يقلد في النوازل والأحكام من يعتري إلى مذهبه، فمن كان مالكيًا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقوال مالك. وهكذا القول في سائر المذاهب، بل أينما أداه اجتهاده من الأحكام صار إليه.
قال: فلو شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالعقد صحيح، والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط أو مخالفًا له.
قال: وأخبرني القاضي أبو الوليد قال: كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولوا القضاء رجلاً شرطوا عليه في سجله ألا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده. قال الأستاذ أبو بكر: وهذا جهل عظيم منهم.

.المسألة الرابعة: لو نصب في بلدة قاضيان:

كل واحد يختص بطرف جاز. وكذلك لو أثبت الاستقلال لكل واحد منهما، فإن شرط اتفاقهما في لك حكم لم يصح، كما تقدم. ثم إذا تنازع الخصمان في لاختيار، أو ازدحم متداعيان، فالقرعة.

.المسألة الخامسة: في التحكيم:

وهو جائز في الأموال وما في معناها. ولا يقيم لمحكم حدًا، ولا يلاعن، ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو عتاق أو نسب أو ولاء. ولا يشترط دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم، بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم، قضى بينهما، وجاز حكمه.
وقال أصبغ: لكل واحد منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها، كما ليس لأحدهما، إذا تواضعا الخصومة عند القاضي وأن يوكل وكيلاً أو يعزله.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لكل واحد منهما الرجوع ما لم يمض الحكم.
وقال ابن الماجشون: ليس لأحد ما الرجوع، كان ذلك قبل أن يقاعد صاحبه أو بعدما ناشبه الخصومة، وحكمه لازم لهما.
ثم إذا حكم المحكم فليس للقاضي أن ينقض حكمه وإن خالف مذهبه، إلا أن يكون جورًا بينًا لم يختلف فيه أهل العلم.
فرعان:
الفرع الأول: حيث قلنا: لا يحكم، فلو حكم بغير الجور نفذ حكمه، وينهي عن العود لمثله. ولو أقام ذلك بنفسه فقتل أو اقتص أو ضرب الحدود لأدب وزجر، ومضى ما كان صوابًا من حكمه، وكان المحدود بالقذف محدودًا والتلاعن ماضيًا.
الفرع الثاني:
قال مطرف وابن الماجشون: إذا حكم الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جورًا بينًا، قالا: وليس تحكيم الخصم خصمه كتحكيم خصم القاضي له.
وقال أصبغ في تحكيم خصم القاضي له: لا أحبه، فإن وقع مضى ذلك، وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه.
وإذا حكم الخصمان عبدًا أو امرأة أو مسخوطًا وكافرًا أو معتوهًا أو صبيًا أو موسوسًا لم ينفذ حكمه.
وقال أشهب: إذا كان حكم العبد أو المرأة أو الحر المسخوط مما يختلف فيه الناس فهو ماض.

.الفصل الثاني: في العزل:

وفيه مسائل:

.المسألة الأولى: في الانعزال:

وينعزل بطريان ما لو قارن التولية لمنع انعقادها كالكفر والجنون وما ذكر معهما، وكذلك طريان الفسق على المشهور، وهو رأي القاضي أبي الحسن.
وقال أصبغ: لا ينعزل بطريانه، ولكن يجب على الإمام عزله عند ذلك.

.المسألة الثانية: في جواز العزل:

قال أصبغ: ينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن أو بطانة السوء، وإن أمن عليه الجور في نفسه.
وقال مطرف: إذا كان قاضي الإمام مشهورًا بالعدالة والرضا فلا يعزله بالشكاية فقط وإن منه بدلاً، وإن لم يكن مشهورًا بذلك فليعزله إذا وجد منه بدلاً وتظاهرت الشكاية عليه، وإن لم يجد منه بدلاً كشف عنه، فإن كان على ما يجب أمضاه، وإن كان على غير ذلك عزله وولي غيره.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يعزله بالشكاية وإن كان مشهورًا بالعدالة والرضا، إذا وجد بدلاً في حاله، لما في ذلك من صلاح الناس وكسر الولاة القضاة عنهم والتفريج لهم فيما بين ذلك. وقد عزل عمر سعدًا على الشكاية فقط، وسعد أنفذ صحة وأظهر براءة من جميع من يكون بعده إلى يوم القيامة. قال: وإذا عمت الشكاية وتظاهرت فليوقفه بعد العزل للناس، فيرفع من يرفع، ويحقق من يحقق، فقد أوقف عمر سعدًا، فلم يصح عليه شيء من المكروه. رضي الله عنهما.
وقال أشهب في المجموعة: إذا اشتكى القاضي في أحكامه وميله بغير الحق، فينبغي للإمام أن ينظر في أمره، قل شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجال من أهل بلده ممن يوثق بهم، فيسألهم عنه سرًا، فإن صدقوا قول الشكاة عزله، ونظر في أقضيته، فيمضي ما وافق الحق، ويرد ما خالفه، وإن قال من سألهم عنه: لم نعلم إلا خيرا، وهو عدل عندنا، أثبته، وتفقد أقضيته، فما خالف السنة رده، وما وافقها أمضاه، ويحمل على أنه لم يعتمد جورًا، ولكنه أخطأ.
ثم قال: وقد عزل عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عن الكوفة بالشكاية، وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه إلا عزلته عنهم.
قال سحنون: وعزل عمر شرحبيل بن حسنة فقال له: أعن سخطة عزلتي؟ قال: لا، ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى على عملك منك، فلم أره يحل لي إلا ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، إن عزلك عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل عمر. قال أشهب ومطرف: وينبغي للإمام أن لا يغفل عن التفقد لقضاته، فإنهم سنام أمره ورأس سلطانه، فلينظر في أقضيتهم ويتفقدها، وينظر لرعيته في أمورها وأحكامها، وظلم بعضها لبعض، فإن الناس قد دخلوا وصار بعضهم يشبه بعضًا، ليس لبعضهم، من الفضل على بعض، ما يسع الإمام أن يتخلى منهم وأن يكلمهم إلى قضاتهم وكان عمر رضي الله عنه يقدم أمراءه كل عام ويقدم معهم من أهل عملهم رجالاً، فإذا أرادوا إبدال عاملهم عزله وأمر غيره.
ثم حيث عزل الإمام قاضيًا، فإن كان لريبة وعن سخطه فحق عليه شهرته وإذاعة سخطه، وإن كان عزله لغير ريبة فليخبر الناس ببراءته إن شاء كما فعل عمر رضي الله عنه بشرحبيل.
وإذا مات الإمام الأعظم، فلا بأس أن ينظر قضاته وحكامه حتى يعلموا رأي من بعده. وكذلك القاضي يوليه والي المصر ثم يعزل الوالي، فهو قاض حتى يعزله الذي ولي بعده.
ولو مات القاضي وقد استخلف مكانه رجلاً وقال له: سد مكاني ونفذ ما كنت صدرت فيه للقضاء، واقض إلى أن تصرف أو تثبت، فلا قضاء له ولا سلطان. وليس للقاضي أن يستخلف من يقضي بعد موته.

.المسألة الثالثة: (من قال بعد العزل: قضيت بكذا):

لو قال بعد العزل: قضيت بكذا، لم يقبل كما قبل العزل، بل هو أولى بعدم القبول. ولو شهد مع عدل أنه قضى بكذا لم يقبل حتى يشهد عدلان في حالتي التولية والعزل.

.الباب الثاني: في جامع آداب القضاء:

وفيه فصول:

.الأول: في آداب متفرقة:

وهي عشرة:
الأدب الأول: أنه يبتدئ بالكشف عن حال المحبوسين، فيطلق من حبس في ظلم أو في تعزيز وبلغ حده. ثم ينظر في الأوصياء وٍأموال الأطفال إذ لا رافع لوقائعها إليه.
قال أصبغ: ينبغي للقاضي إذا قعد للقضاء أن يأمر بمناد ينادي عنه في الناس: إن كل يتيم لم يبلغ ولا وصي له ولا وكيل، وكل سفيه مستوجب الولاية فقد منعت الناس من متاجرته ومداينته، ومن علم مكان أحد من هؤلاء فليرفعه إلينا لنولي عليه ونحجز. فمن داينه بعد منادي القاضي، أو باع من أو ابتاع، فهو مردود.
الأدب الثاني: أن يروي بعد ذلك في ترتيب الكاتب والمزكي والمترجم. قال ابن سحنون: لما ولي سحنون القضاء بعد أن أدير عليه عامًا، وغلظ عليه، وحلف الأمير عليه، وأتى من عزمه عليه ما أخافه وأنصف في قوله، وخاف أن يكون أمرًا لزمه لا يقوم غيره فيه مقامه، فولي في الثلث من شهر رمضان، فأقم أيامًا بعدما ولي لا ينظر من الناس في شيء يلتمس أعوانًا، ثم قعد في التاسع من الشهر المذكور.
وليكن الكاتب عدلاً مرضيًا، قال أصبغ: ويكون مرضيًا مثله أو فوقه، ولا يغيب عنه على كتابه.
ويشترط العدد في المزكي والمترجم دون الكاتب.
وقال الشيخ أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزأ. واختار القاضي أبو الحسن أنه إن كان الإقرار بمال قبل في الترجمة شاهد وامرأتان. وروى أشهب وابن نافع: يترجم للقاضي رجل ثقة مسلم مأمون. واثنان أحب إلينا، والواحد يجزي. ولا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوطين، ولا بأس أن تقبل ترجمة امرأة إذا كانت عدلاً، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثل ذلك، قالوا: إذا كان ذلك مما تقبل فيه شهادة النساء.
الأدب الثالث: أن يتخذ للقضاء مجلسًا قريبًا من الناس، يصل إليه فيه الضعيف والمرأة. قال في الكتاب: والقضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم. قال: وهو إذا كان في المسجد رضي بالدون من المجلس، ووصل إليه الضعيف والمرأة، وإذا احتجب لم يصل إليه الناس. ولا بأس أن يقضي في رحاب المسجد الخارجة، بل قد استحب، في رواية مطرف وابن الماجشون، إذ يصل إليه الضعيف والمرأة والذمي والحائض.
وقد قال مالك كان من أدركت من القضاة لا يجلسون إلا في الرحاب خارجًا، إما عند موضع الجنائز، وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاة، وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضيق ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض. وحيثما جلس القاضي المأمون فهو جائز.
ولا تقام الحدود في المسجد، وإن جاز أن يعزر فيه الأسواط اليسيرة كالخمسة والعشرة ونحوها. وله أن يتخذ بوابًا وحاجبًا.
الأدب الرابع: قال مالك: وينبغي أن يجعل لجلوسه ساعات من النهار إلا أني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه نهاره كله.
وقال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتًا يجلس فيها للناس، وينظر في ذلك بالذي يرفق به وبالناس، وليس بالمضيق عليه في هذا حتى يصير كالمملوك أو الأجير، قالا: ولا ينبغي له أن يجلس بين المغرب والعشاء، ولا بالأسحار، إلا في الأمر يحدث ويرفع إليه لما لابد له منه، فلا بأس أن يأمر وينهي ويأمر بالسجن ويرسل الأمين أو الشرط، أو ما أشبه هذا من الأمر.
قالا: وكذلك قضاؤه في الطريق في ممره إلى المسجد، أو إلى بيته، لا ينبغي ذلك إلا أن يكون أمر عرض له واستغيث به ورفع إليه، فلا بأس أن يأمر فيه وينهي، ويأمر بالسجن إذا رآه صوابًا، فأما الحكم الفاصل فلا.
وقال فضل بن سلمة: أما أشهب فأجاز أن يجلس القاضي بين المغرب والعشاء، وبعد أذان الظهر، وبعد صلاة الصبح، ما لم يجعله مجلسًا يجبر عليه العامة ولا بأس أن يحكم فيه على الفداء الفذ شاء أو أبى. وأجاز أن يحكم بين الخصمين في ممره إلى المسجد، وخالفه سحنون.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا ينبغي أن يجلس القاضي أيام النحر، ولا يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر بالناس فيه في حوائجهم مما لابد لهم منه، مثل يوم عرفة والتروية وما أشبه ذلك مما جرى عليه أمر الناس. قال: وكذلك إذا كثر المطر والوحل وأضر ذلك بالطريق ترك الجلوس. وكذلك اليوم الذي يخرج فيه عامة الناس إلى الحج لكثرة من يخرج لتشييعهم. قال: وكذلك يوم يقدمون إن كان الناس يجتمعون فيه في البلد كما يجتمعون فيه بمصر.
الأدب الخامس: لا يقضي في حالة غضب ولا جوع، ولا في حالة يسرع إليه الغضب، أو يدهش عن تمام الفكر.
وما حكم به فليكتب به محضرًا يشرح فيه الدعوى والإنكار، وأسماء البينة، وأسماء المتداعين وأنساب الجميع، وما يعرفون به، وما حكم به بينهما، ويحفظه في خريطة أو جراب أو غيره، ويختم عليه حتى لا ينسى، ويكتب عليه خصومة فلان وفلان، في شهر كذا من سنة كذا، ويجعل خصومة كل شهر على حدة.
الأدب السادس: أن يحكم بمحضر عدول ليحفظوا إقرار الخصوم خشية رجوع بعضهم عما يقول. ولو كان ممن يقضي بعلمه لكان أخذه بما لا خلاف فيه أحسن، وليكن حكمه بشهادتهم لا بعلمه. قال أشهب ومحمد: ولا نحب أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم ومشاورتهم. قال محمد: وكان عثمان رضي الله عنه إذا جلس أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لا ينبغي للقاضي أن يجلس الفقهاء معه في مجلس قضائه، ولكنه يتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه أرسل إليهم واستشارهم كفعل عمر رضي الله عنه مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. قال محمد بن عبد الحكم: وليس ينبغي لأحد أن يترك المشاورة، ولا ينبغي له أن يثق بأمر نفسه، ولا يدخل الإمام في ذلك عجب، ولا يدخله من فعل ذلك استكبار، فإن سلف هذه الأمة وخيار الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون عما نزل بهم، فصعد أبو بكر رضي الله عنه المنبر يسأل عن الجدة، وكان عمر رضي الله عنه يأتي زيد بن ثابت رحمة الله عليه في أمر الجد وميراثه، وسأل عمر أيضًا عن ميراث المرأة في دية زوجها.
ولا يفتي القاضي فيما يختصم إليه فيه، ولا يمتنع من الفتوى في الزكاة والصلاة والطهارة والحج والمحيض وأنواع الفقه غير الخصومات، ولا يجيب من سأله فيما يتعلق بالخصومات، إلا أن يجيب المتفقهين في جميع ذلك.
واختار بن عبد الحكم أنه لا بأس أن يجيب ويفتي في كل ما سئل عنه مما عنده فيه علم، واحتج بأن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم كانوا يفتون الناس في نوازلهم. ولا بأس أن يجلس القاضي في مجالس العلم، فيعلم أو يتعلم، كل ذلك حسن.
الأدب السابع: أن لا يشتري بنفسه، ولا بوكيل معروف، حتى لا يسامح في البيع. قال محمد بن عبد الحكم: وليس بين شرائه بنفسه وبين توكيله بذلك فرق. قال: ولا يوكل إلا من يأمنه على دينه، لئلا يسترخص له بسبب الحكم وما أشبه ذلك.
قال مطرف وابن الماجشون: وينبغي للقاضي أن يتورع عن طلب الحوائج والعواري من الماعون والدابة يريد ركوبها وما أشبه هذا، أو السلف، أو أن يقارض أحدًا، أو يبضع مع أحد. ولا يحضر ولائم الخصمين، ولا ينبغي له أن يحضر ولائم غيرهما الخاصة، فأما العامة، فإن كانت وليمة النكاح حضرها، ثم إن شاء أكل وترك ذلك أحب إلي من غير كراهية، وإن كانت لغير النكاح فأجيز له الحضور وكره، إلا ما كان من جهة ولده أو والده أو شبههما من خاصته.
ولا يقبل الهدية ممن له خصوم’ ولا ممن ليست له خصومة، ولو كان ممن يقبلها منه قبل الحكم، أو كافأ عليها أضعافها، إلا من والده أو ولده ومن أشبههم من خاصة القرابة، فإن قبلها فهي سحت.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة من غير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف ولا ترك لشيء من الحق، ولا يرى الناس منزلة لأحد عنده، ولا يدعو إلى أحد في عدالة ولا شهادة، ولا ينبغي له أن يكثر الداخلون إليه، ولا الركاب معه، ولا المستخلون به في غير ما خاصة كانت منهم به قبل ذلك، إلا أن يكونوا أهل أمانة ونصيحة وفضل في أنفسهم فلا بأس به.
وقالا أيضًا: وينبغي للقاضي، أيضًا، أن يمنع أهل الركوب معه في غير حاجة ولا رفع مظلمة ولا خصومة، فإن ذلك إذا وافقه كبرت نفسه وعظم عنده سلطانه، ويحسب القاضي من معرفة الرجل بحال قبيحة أن يصحبه في غير حاجة ولا رفع مظلمة ولا خصومة، وحق عليه أن يمنع من ذلك، لأنهم إنما يلزمون ذلك لاستنكال الناس به، واختداعهم عليه بإظهار المنزلة عنده.
قالا: وينبغي للقاضي أن يتقدم إلى أعوانه والقوام عليه في الخرق والشدة على الناس، ويأمرهم بالرفق واللين والقرب منهم في غير ضعف ولا تقصير عن شيء مما ينبغي ولو كان يستغني عن الأعوان أصلاً كان ذلك أحب إلينا، إلا أن يضطر فيخفف منهم ما استطاع.
الأدب الثامن: قال مطرف وابن الماجشون: إذا شتم أحد الخصمين صاحبه عند القاضي أو أسرع إليه بغير حجة، مثل قوله: يا ظالم، يا فاجر، ونحو هذا، فعليه أن يزجره عنه، ويضرب على مثل هذا، ما لم تكن فلتة من ذي مروءة، فيتجافى عن ضربه، حتى يكون جلوسهما عنده بسمت ووقار، فإنه من لم ينصف الناس في أعراضهم لم ينصفهم في أموالهم.
قالا: وينبغي للقاضي إن لمزه أحد الخصمين بما يكره أن يعزره، والأدب في مثل هذا عندنا من العفو عنه.
وليخف الناس بلزوم الحق واتباعه. قال محمد بن عبد الحكم: وإن قال له الخصم: اتق الله في أمري وأذكرك الله، أو ما أشبه هذه الألفاظ، فلا يعظم ذلك عليه، ولا يغلظ في القول، ولا يضرب عن سماع حجة إن ظهرت له، بل ينبغي له أن يثبت ويجيبه بجواب لين كقوله رزقني الله تقواه، وما أمرت إلا بخير، وإنه يجب علي وعليك أن نتقي الله، ويبين له من أين يحكم عليه، ويقول: إني أرى من تقوى الله أن آخذ منك الحق إذ بان، أو يقوله له: لولا تقوى الله ما حكمت عليك، وشبه هذا. قال: وأحب أن يجعل القاضي رجالاً من إخوانه، يثق بدينهم ويصدقهم ومعرفتهم، يخبرونه بقول الناس فيه من أخلاقه وما ينكرونه عليه، وإنكار حكم إن حكم به فأنكروه، وشاهد إن أجازه أو طرحه فأنكروه. فإذا أخبروه بذلك سأل عن ذلك وفحص واستقصى فيه، فإن ذلك قوة له على أمره إن شاء الله.
وإذا ظهر للقاضي كذب الشاهد عزره على الملإ، ونادى عليه، ورأى القاضي أبو بكر أن يسود وجهه.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا صح على رجل أنه يشهد بالزور، وأنه يأخذ على شهادته الجعل ويشهد، رأيت أن يطاف به، ويشهر في المجالس والخلق، وحيث ما يعرفه جماعة الناس، ويكتب بذلك القاضي عليه كتابًا يشهد فيه وينسخه نسخًا، ويستودعه من يثق به في دينه وأمانته، ويضربه مع ذلك ضربًا موجعًا، ولا يحلق له رأسًا ولا لحية. قال: ولست أرى أن تجوز له شهادة أبدًا إذا كان ظاهر العدالة حين يشهد، لأن هذا منه رياء ليس على الديانة، وهذا لا تكاد تعرف توبته.
الأدب التاسع: قال مطرف وسحنون: لا يقضي لولده ولا لأحد ممن لا تجوز شهادته له.
وقال أصبغ في كتابه: يجوز حكمه للجميع.
وقال ابن الماجشون: يجوز للجميع إلا لزوجته ويتيمه الذي يلي ماله، ولا يتهم في الحكم كما يتهم في الشهادة.
وقال أصبغ أيضًا مثل قول مطرف: إذا قال: ثبت له عندي، ولا يدري أثبت أم لم يثبت، ولم يحضر الشهود، فإذا حضروا وكانت الشهادة ظاهرة بحق بين فحكمه له جائز، ما عدا زوجته وولده الصغير، ويتيمه الذي يلي ماله، لأن هؤلاء كنفسه. ولا يقضي على عدوه، بل يحيل على غيره.
الأدب العاشر: إنه لا ينقض قضاء غيره إذا كان عدلاً عالمًا ولا يتعقب أحكامه إلا إذا خالف قاطعًا، فإنه ينقض ما خالف فيه القاطع من أحكامه.
فأما القاضي العدل الجاهل المتحري، فإنه يتعقب أحكامه، فما وافق الحق نفذه، وما خالفه رده.
وأما القاضي الجائر المتعسف، فلا يتعقب له حكمًا، وليبتدئ النظر فيما حكم فيه مما وقع إليه، ولا ينظر إلى سجله، لأنه لابد أن يتحلى فيه بالعدل.
وقال أصبغ: يتصفح أحكامه أيضًا، فما كان صوابًا أمضى. قال أبو القاسم بن محرز: والمعروف لابن الماجشون في المجموعة والمبسوط مثل مذهب أصبغ: أنه لا يرد من أقضية إلا ما عرف فيه جور. قال: وكذلك قال سحنون في كتاب ابنه في القاضي يعزل على جور.
فروع:
الفرع الأول: في تمييز الحكم عما ليس بحكم.
وما قضى به الحاكم من نقل الأملاك وفسخ العقود ونحو ذلك، فلا شك في كونه حكمًا. فأما إن لم يكن تأثير القاضي في الحادثة أكثر من إقرارها لما رفعت إليه، مثل أن يرفع إليه نكاح امرأة زوجت نفسها بغير ولي، فأقره وأجازه، ثم عزل وجاء غيره، فهذا ما اختلف فيه: فقال ابن الماجشون: ذلك ليس بحكم، ولمن يأتي بعده أن يفسخه.
وقال ابن القاسم: طريقة طريق الحكم، وإمضاؤه والإقرار عليه كالحكم بإجازته، ولا سبيل إلى نقضه.
واختاره أبو القاسم بن محرز قال: لأنه حكم في عين باجتهاده، ولا فرق بينة أن يكون حكمه بإمضاء أو فسخ. وأما لو رفع هذا النكاح إلى قاضي فقال: أنا لا أجيز النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه، فإن هذا ليس بحكم، ولكنه فتوى، ويكون لمن يأتي بعده أن يستقبل النظر فيه. وكذا لو رفع إليه حكم بشاهد ويمين، فقال: أنا لا أجيز الشاهد واليمين مطلقًا، هكذا، لكان سبيل ذلك سبيل الفتوى ما لم يوقع حكمه على عين الحكم. قال: وما أعلم في هذا الوجه اختلافًا.
وإن كان حكم الأول باجتهاد فيما طريقه التحليل والتحريم، ليس نقل ملك من أحد الخصمين إلى الآخر، ولا فصل خصومة بينهما، ولا إثبات عقد بينهما ولا فسخه، مثل أن يرفع إلى قاض رضاع كبير، فحكم بأن رضاع الكبير يحرم ويفسخ النكاح من أجله، فالقدر الذي ثبت من حكمه هو فسخ النكاح فحسب، وأما تحريمها عليه في المستقبل فإنه لا يثبت بحكمه، بل يبقى ذلك معرضًا للاجتهاد فيه.
وكذلك لو رفع إليه حال امرأة نكحت في عدتها ففسخ نكاحها وحرمها على زوجها، لكان القدر الذي ثبت من حكمه فسخ النكاح فحسب، وأما تحريمها في المستقبل فمعرض للاجتهاد.
ومن هذا الوجه أن يحكم بنجاسة ماء أو طعام أو شراب، أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة، فإنه لا يثبت حكم في ذلك الجنس من العقود ولا المبايعات على التأييد، وإنما له أن يعين من ذلك ما شاهده وما حدث بعد ذلك، فهو معرض لمن يأتي من الحكام والفقهاء.
الفرع الثاني:
في نقض القاضي أحكام نفسه.
وإذا ظهر له أنه أخطأ فيما حكم به فلينقض قضيته، وإن كان قد أصاب قول قائل من أهل العلم.
قال سحنون: إن كان الحكم مختلفًا فيه، وله هو فيه رأي فحكم بغيره وهلاً وسهوًا، فله نقضه، وليس لغيره نقضه، وإن كان قد رأى بعد الحكم رأياً سواه لم ينقضه، بل يأتنف رأيه لفي ذلك، فيما يستقبل.
وقسم أبو القاسم بن محرز حال القاضي إلى أربعة أقسام.
القسم الأول: أن يخالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع، فهذا يفسخه هو وغيره.
القسم الثاني: أن يقصد إلى الحكم بمذهب فيصادق غيره سهوا، فهذا يفسخه هو دون غيره، إذ ظاهره الصحة لجريانه على مذهب بعض العلماء، ووجه غلطه لا يعرف إلا من قوله. إلا أن تشهد بينة أنها علمت قصده إلى الحكم بغيره فوقع فيه، فينقضه من بعده، كما ينقضه هو.
القسم الثالث: أن يجتهد فيظهر له الصواب في غير ما حكم به من طريق الاجتهاد، أيضًا فمذهب ابن القاسم وغيره أنه يرجع إلى ما ظهر له ويفسخ الأول. ومذهب عبد الملك بن الماجشون وسحنون وغيرهما، أنه لا يجوز له فسخه.قال أبو القاسم: وهذا أقوى من الأول لجواز تغير رأيه الثاني أيضًا والثالث، ولا يقف إلى حد، وشبهة بالمجتهد في القبلة إذا تحقق الخطأ، أو تغير اجتهاده بعد الصلاة. وكذلك قال محمد بن مسلمة في المبسوط: لو أن سلطانًا قضى برأيه في أمر لم يخالف فيه السنة التي لا شك فيها، والقرآن الذي لا يختلف في تأويله، مضى ذلك ولم يرد. ولم ينبغ له، ولا السلطان غيره، إذا كان قد مضى ذلك، أن يرده، وإن رأى أن غير ذلك أصوب منه لأنه لا يرد رأي إلى رأي.
القسم الرابع: أن يحكم بالظن والتخمين من غير قصد إلى الاجتهاد في الأدلة، فذلك باطل، لأن الحكم بالتخمين فسق وظلم وخلاف للحق. ويفسخ هذا الحكم هو وغيره، إذا ثبت عند الغير أنه على هذا حكم.
الفرع الثالث:
قال مطرف: إذا حكم القاضي بفسخ قضية ولم يذكر أنه رجع عن القضية الأولى لما رآه أحسن، ولا فسر وجه فسخه، فليس ذلك يفسخ إذا كان الأول صوابًا غير مختلف فيه، حتى يلخص ما أوجب فسخه ويرجع إلى ما هو أحسن منه، إلا أن يقول:تبين لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه.
وقاله ابن نافع.
وقال ابن الماجشون: إشهاده لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه.
وقاله ابن نافع.
وقال ابن الماجشون: إشهاده لي أن الشهود شهودًا بزور، فإن ذلك يكفيه.
وقاله ابن نافع.
وقال ابن الماجشون: إشهاده على الفسخ يكفيه إن كان مأمونًا، ولو لم يقل: إلا أني رجعت عن الحكم الأول لكان رجوعًا، ثم هما على خصومتهما، لو قال مع ذلك: قد قضيت للآخر لم يجز قضاؤه وصح الفسخ، لأنه لا يقضي إلا بعد الإعذار إلى المقتضي عليه وضرب الآجال له وقاله أصبغ: وإنما الفسخ الذي لا يكون شيئا حتى يلخص ما رد به القضية إذا فسخ حكم غيره فهذا لا يكون إشهاده بالفسخ ماضيًا حتى يبين وجه فسخه، ولم يختلفوا في هذا.
الفرع الرابع:
إن القضاء، وإن لم ينقض، فلا يتغير به الحكم في الباطن، بل هو على المكلف على ما كان قبل قضاء القاضي، وإنما القضاء إظهار لحكم الشرع لا اختراع له، فلا تحل للمالكي شفعة الجوار أن قضى له بها الحنفي، ولا يحل لمن أقام شهود زور على نكاح امرأة، فحكم له القاضي، لاعتقاد عدالتهم، بنكاحها وإباحة وطئها، أن يطأها ولا أن يبقى على نكاحها.